مجمع البحوث الاسلامية
380
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ذكر اللّه تعالى هذه المعاني في معرض النّعمة العظيمة . وأيضا البلاد المعتدلة والأوقات المعتدلة نادرة جدّا ، والغالب إمّا غلبة الحرّ أو غلبة البرد . وعلى كلّ التّقديرات فلابدّ للإنسان من مسكن يأوى إليه ، فكان الإنعام بتحصيله عظيما ، ولمّا ذكر تعالى أمر المسكن ذكر بعده أمر الملبوس ، فقال : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ . [ ثمّ أدام الكلام في وجه ذكر الحرّ نحو ما تقدّم عن المفسّرين ] ( 20 : 93 ) القرطبيّ : [ طرح السّؤال ثمّ قال : ] فالجواب : أنّ القوم كانوا أصحاب جبال ولم يكونوا أصحاب سهل ، وكانوا أهل حرّ ولم يكونوا أهل برد ، فذكر لهم نعمه الّتي تختصّ بهم كما خصّهم بذكر الصّوف وغيره ، ولم يذكر القطن والكتّان ولا الثّلج ، فإنّه لم يكن ببلادهم . قال معناه عطاء الخراسانيّ وغيره ، وأيضا فذكر أحدهما يدلّ على الآخر . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 10 : 160 ) الشّربينيّ : ولم يقل تعالى : « والبرد » لتقدّمه في قوله تعالى : فِيها دِفْءٌ . وقيل : إنّه اكتفى بأحد المتقابلين . وقيل : كان المخاطبون بهذا الكلام العرب ، وبلادهم حارّة ، فكان حاجتهم إلى ما يدفع الحرّ فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد ، كما قال تعالى : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها النّحل : 80 ، وسائر أنواع الثّياب أشرف ، إلّا أنّه تعالى ذكر ذلك النّوع ، لأنّه كان الفهم بها أشدّ ، واعتيادهم للبسها أكثر . ( 2 : 254 ) البيضاويّ : خصّه بالذّكر اكتفاء بأحد الضّدّين ، أو لأنّ وقاية الحرّ كانت أهمّ عندهم . ( 1 : 565 ) نحوه النّسفيّ ( 2 : 295 ) ، والنّيسابوريّ ( 14 : 103 ) ، وأبو السّعود ( 4 : 84 ) ، والكاشانيّ ( 3 : 148 ) ، والشّوكانيّ ( 3 : 232 ) ، والمشهديّ ( 5 : 373 ) ، وشبّر ( 3 : 437 ) ، وطنطاوي ( 8 : 129 ) ، وحسنين مخلوف ( 1 : 442 ) . البروسويّ : ولم يذكر البرد لدلالته عليه ، لأنّه نقيضه ، أو لأنّ وقايته هي الأهمّ عندهم ، لكون البرد يسيرا محتملا ، بخلاف الدّيار الرّوميّة فإنّها غالبة البرودة ، ولذا قيل : الحرّ يؤذي الرّجل والبرد يقتله . قال حضرة الشّيخ الشّهير بأفتاده أفندي قدّس سرّه : برد الرّبيع غير مضرّ لكن هذا في ديار العرب ، فإنّ في برد تلك الدّيار اعتدالا بخلاف ديارنا . وفي الحديث : « اغتنموا برد الرّبيع فإنّه يعمل بأبدانكم كما يعمل بأشجاركم ، واجتنبوا برد الخريف فإنّه يعمل بأبدانكم كما يعمل بأشجاركم » . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 5 : 66 ) الآلوسيّ : خصّه بالذّكر كما قال المبرّد : اكتفاء بذكر أحد الضّدّين عن الآخر ، أعني البرد . ولم يخصّ هو بالذّكر اكتفاء ، لأنّ وقاية الحرّ أهمّ عندهم لما مرّ آنفا . وقال بعضهم : من الرّأس خصّ الحرّ بالذّكر ، لأنّ وقايته أهمّ . وتعقّب دعوى الأهمّيّة بأنّه يبعدها ذكر وقاية البرد سابقا ، في قوله تعالى : لَكُمْ فِيها دِفْءٌ . ثمّ قيل : وهذا وجه الاقتصار على الحرّ هنا ، لتقدّم ذكر خلافه ثمّت . واعترض بأنّا لا نسلّم أنّ إثبات الدّفء هناك يبعد